أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

225

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والعاصي في الخلود سواء ، حيث سوى في الآية بينهما في عدم الانتفاع بما يستدركانه بعد ظهور الآيات ، ولا يتم ذلك ، فإنّ هذا الكلام في البلاغة يلقب باللف ، وأصله : يوم يأتي بعض آيات ربّك لا ينفع نفسا إيمانها ، لم تكن مؤمنة قبل إيمانها بعد ، ولا نفسا لم تكسب خيرا ، قبل ما تكسبه من الخير بعد ، فلف الكلامين ، فجعلهما كلاما واحدا إيجازا وبلاغة . ويظهر بذلك أنها لا تخالف مذهب أهل الحق ، فلا ينفع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير ، وإن نفع الإيمان المتقدم من الخلود فهي بالرد على مذهبه أولى من أن تدل له » . الثاني : أن هذه الجملة في محل نصب على الحال من الضمير المجرور ، قاله أبو البقاء ، يعني : من « ها » في « إِيمانُها » . الثالث : أن تكون مستأنفة ، وبهذا بدأ أبو البقاء ، وثنى بالحال ، وجعل الوصف ضعيفا ، كأنه استشعر ما ذكره الزمخشري ، ففرّ من جعلها نعتا . والشيخ جعل « 1 » الحال بعيدا ، والاستئناف أبعد منه . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 159 إلى 165 ] إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 159 ) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 160 ) قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 161 ) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 162 ) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ( 163 ) قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( 164 ) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 165 ) وقرأ الأخوان : فارقوا . من المفارقة ، وفيها وجهان : أحدهما : أن « فاعل » بمعنى « فعّل » نحو : ضاعفت الحساب ، وضعّفته . وقيل : هي من المفارقة ، وهي الترك والتخلية ، ومن فرّق دينه فآمن ببعض وكفر ببعض فقد فارق الدين القيم . وقرأ الباقون « فَرَّقُوا » بالتشديد ، وقرأ الأعمش وأبو صالح وإبراهيم « فرقوا » مخفف الراء . قال أبو البقاء : « وهو بمعنى المشدد . ويجوز أن يكون بمعنى فصلوه عن الدين الحق » . وقد تقدم معنى « الشّيع » . وقوله : لَسْتَ مِنْهُمْ في محل رفع خبر ل « إنّ » ، و « مِنْهُمْ » هو خبر « ليس » إذ به تتم الفائدة ، كقول النابغة : 2145 - إذا حاولت في أسد فجورا * فإنّي لست منك ولست منّي « 2 »

--> ( 1 ) انظر البحر ( 4 / 260 ) . ( 2 ) تقدم .